محمد متولي الشعراوي

1248

تفسير الشعراوي

هذه الأعمال بتلقائية وهو يتكلم مع غيره ؛ لأن هذه الأعمال صارت ملكة ذاتية أي عملا آليّا . والتدريب على العمل الذهني - حسب قواعد محددة مثل تعلم اللغة - نسميه ملكة . أما التدريب على عمل الجوارح - مثل إدخال الخيط في سم الإبرة - نسميه آلية . وعلى سبيل المثال في العمل الذهني عندما تسأل سؤالا في الفقه لطالب في الأزهر فإنه يحتار قليلا إلى أن يتعرف على الباب الذي فيه إجابة للسؤال ، أما إذا سألت السؤال نفسه لعالم مدرب فبمجرد أن توجه له السؤال فإنه يقول لك الحكم والباب الذي فيه هذا الحكم ، لقد صار الفقه بالنسبة للعالم ملكة . ويقول الحق من بعد ذلك : « رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا » والإصر هو الشئ الثقيل الذي يثقل على الإنسان ، ومثال ذلك الإصر الذي نزل على اليهود « إن أردتم التوبة فاقتلوا أنفسكم أو تصدقوا أو زكوا بربع أموالكم » لكن اللّه لم يعاملنا كما عامل الأمم السابقة علينا ، وعندما نقول : « رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » فنحن نصدق أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قال اللّه نعم » « 1 » ومعنى قال اللّه نعم أنه سبحانه وتعالى أجاب الدعاء برفع المشقة عن الأمة . أي أن اللّه لن يحملنا ما لا طاقة لنا به . وعندما نقول : « وَاعْفُ عَنَّا » فنحن نتوجه إلى اللّه ضارعين : أنت يا حق تعلم أننا مهما أوتينا من اليقظة الإيمانية والحرص الورعى فلن نستطيع أن نؤدى حقك كاملا ، ولذلك لا ندخل عليك إلا من باب أن تعفو عنا . ومعنى العفو محو الأثر ، كالسائر في الصحراء تترك قدماه علامة ، وتأتى الريح لتزيل هذا الأثر . كأن هناك ذنبا والذنب له أثر ، وأنت تطلب من اللّه أن يمحو الذنب . وعندما تقول : « وَاغْفِرْ لَنا » فأنت تعرف أن من مظاهر التكوين البشرى النية

--> ( 1 ) رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة .